الجواد الكاظمي
178
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
عليهم بالغنى ، ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفا لهم في تحقق استعفافهم وربطا على قلوبهم ، وليظهر بذلك أن فضله أولى بالأعفّاء وأدنى من الصلحاء . وفيه إشعار بأن الصبر والعفة إنما يرغب فيهما عن النكاح مع عدم وجدان ما يتمكن به من التزويج أصلا ، فلو وجد ما يتمكن به منه وان كان قليلا لا ينبغي له أن يرغب عنه بالصبر والعفة . و « حتى » على هذا غاية لعدم الوجدان . ويجوز أن يراد من النكاح الزوجة المناسبة بحاله ، ويكون « حتى » غاية للاستعفاف . وعلى كل حال ففي الآية إشعار بأنه مع التمكن من النكاح لا يحسن الصبر عنه فهي مؤكدة لما ورد من الحث على النكاح مع التمكن ولا منافاة بينها وبين سابقتها ، إذ الأولى الأمر للأولياء بالانكاح وعدم جعل الفقر مانعا عنه وهذه أمر للأزواج بطلب العفة إلى أن يتمكنوا ويجدوا ما يتزوجون به . وعلى هذا فلو بذل أحد للزوج التزويج كان الأولى القبول ، لأنه حينئذ قد وجد نكاحا . وقد ظهر مما ذكرناه أن الأمر للوجوب ، فان المراد لإستعفاف بمعنى عدم الدخول في الفاحشة ، فكأنه قال لا ينكح العاجزون عن النكاح إلى أن يرزقهم اللَّه القدرة عليه . هذا ، وقد روى الكليني ( 1 ) عن معاوية بن وهب عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام في قول اللَّه عز وجل « ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ » . قال : يتزوجون حتى يغنيهم اللَّه من فضله . وظاهرها أن الاستعفاف بمعنى التزويج ، وحتى تعليلية ، فيكون فيها دلالة على الأمر بالنكاح لمن لا يجده [ ويؤيده ما سلف من قوله صلى اللَّه عليه وآله « التمسوا الرزق بالنكاح ( 2 ) » ونحوه ] . الثالثة : « وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا
--> ( 1 ) الكافي ح 5 ص 331 ط الآخوندي . ( 2 ) مر في ص 173 .